ابن بطوطة

322

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

وأنا ممن زرته في آخر عام ثمانية وخمسين وسبعمائة ، فأسمعني كلامه ، وأولاني برّه وإكرامه . فرأيت منه رجلا أطال شأو المجاهدات ، وتوغل في ارتياد رياض الرياضات ، وجعل لذاته في ترك اللّذات ، وصفى باطنه من كدورات الشهوات ، حتى لحق بمن هام في وادي الفناء الذي هو وجود ، وغاص في بحور المحو الذي هو إثبات مشهود . وتحلّى بفرائد التفريد ، وكتب في جرائد التجريد . وأنس باللوائح والطوالع ، وانتعش بالبواده واللوامع . وهام بالمحادثات والمكالمات ، وكلّف بالمشاهدات والمحاضرات . وتاه في بيداء السحق والمحق . وانتقل إلى بقاع الجمع من حضيض الفرق . وشرب من عين الحياة ، واجتلى شموس الحقائق باهرة الآيات . واحتسى كؤوس المحبّة على بساط الوفاء ، ووقف لاجتلاء كعبة الأسرار على صفاء الصفاء . نفع اللّه بمنّ هذه أوصافه ، وحيّا اللّه من اهتزّت لسماعها أعطافه . واللّه يجبر صدع من ردّ من الباب ، إلى ظلمة الحجاب . وحسده الشيطان في الدخول مع الأحباب واستنشاق نواسم الاقتراب . فهو متبع هواه . متردّ في مهواه . قد ردّ من أمره في الحافرة ، وآثر الدنيا على الآخرة . ونفسي بهذا أعني ، فما أجدرني ببكاء على الذنوب وحزني ، وعودي إلى التوبة التي تقرّب إلى اللّه وتدنّي ، وخروجي عن الدنيا التي لا تنفع طالبها ولا تغني . رجع الحديث : وطلبت من هذا الشيخ المبارك أن يعرّفني بشيخه الذي سلك على يديه ، واستند في حسن التربية إليه . فأعرض عن الجواب ، واشتغل بذكر رب الأرباب . فقنعت منه بالدعاء ، وفارقته مفارقة الظمآن للماء . ثم إنه بعد ذلك أبل ، وعافاه اللّه عزه وجلّ ، فتشوّف لرؤية مولانا أمير المؤمنين أيّده اللّه ونصره ، وشكر في اعتنائه بالصالحين وردّه وصدره . فأخلى له مجلسه ، واستدعاه وأنسه . فلم يزد الشيخ على حمد اللّه والثناء عليه وانصرف إلى حلّه الذي اشتاق إليه ، وعاد إلى انقطاعه وتخلّيه ، والاشتغال بتحلّيه العائد بتجلّيه . ولم يزل مولانا أيّده اللّه معتقدا فيه وفي أمثاله ، معتملا في الاهتمام بأهل اللّه تعالى أعظم اعتماله . فاللّه يثيبه وينفعه ، ويحيطه بالعمر الطويل ويمتعه بمنّه ويمنه . فصل وكان المقدّم شيخ الصوفية بهذه الزاوية المباركة عند خلاصها . ومتولى الإمامة بجامعها الأكرم المناسب لشرف اختصاصها الفقيه الصالح الزاهد أبا عبد اللّه محمد بن الفقيه الجليل المعظّم الأصيل رئيس المغرب وحسنة عصره المعجب به المغرب أبي محمد عبد